ابن كثير

533

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عمر ، عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ، ومدمن خمر ، والمنان بما أعطى » وقد روى النسائي ، عن مالك بن سعد ، عن عمه روح بن عبادة ، عن عتاب بن بشير ، عن خصيف الجزري ، عن مجاهد عن ابن عباس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاق لوالديه ، ولا منان » ، وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال ، عن محمد بن عبد اللّه بن عصار الموصلي ، عن عتاب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد قوله ، وقد روي عن مجاهد ، عن أبي سعيد ، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه ، ولهذا قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى ، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى ، ثم قال تعالى : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس ، فأظهر لهم أنه يريد وجه اللّه ، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس ، أو يقال إنه كريم ، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية ، مع قطع نظره عن معاملة اللّه تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ، ولهذا قال وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه ، قال الضحاك : والذي يتبع نفقته منا أو أذى ، فقال فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ وهو جمع صفوانة ، فمنهم من يقول : الصفوان يستعمل مفردا أيضا وهو الصفا وهو الصخر الأملس ، عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ وهو المطر الشديد فَتَرَكَهُ صَلْداً أي فترك الوابل ذلك الصفوان صلدا أي أملس يابسا ، أي لا شيء عليه من ذلك التراب ، بل قد ذهب كله ، أي وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند اللّه وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب ، ولهذا قال لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة اللّه عنهم في ذلك ، وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي وهم متحققون متثبتون أن اللّه سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء ، ونظير هذا في معنى قوله عليه السلام في الحديث الصحيح المتفق على صحته « من صام رمضان إيمانا واحتسابا » أي يؤمن أن اللّه شرعه ويحتسب عند اللّه ثوابه ، قال الشعبي : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي تصديقا ويقينا ، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد ، واختاره ابن جرير وقال مجاهد والحسن : أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم . وقوله كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ، وهو عند الجمهور : المكان المرتفع من الأرض ، وزاد ابن